الجمعة، 22 أبريل 2011

المقدمة ..










الطنوبي والعودة إلى الأهل

عندما تضيق بنا السبل ويحاصرنا الزيف من كل اتجاه فلابد من البحث عن منفذ للخلاص أو قناع نتخفى به لنقول الحقيقة كاملة ونحن عاجزون أن نبوح بها لأقرب الأقربين ونلتفت حولنا فلا نجد تلك الشخصيات القادرة على تحقيق الحلم أو النشوة أو الهروب حينئذ نعود بخيالاتنا إلى الماضي لنستلهم من شخصياته ما يعيد للحاضر شيئاً من الحياة التي جفت أعوادها أو كادت وربما هذا ما فعله الكثيرون من شعبنا طوال فترة الظلام الدامس التي سيطرت على بلادنا ، ولعل البطل المستلهم قد يكون تاريخيا أو دينيا أو أسطوريا وما المانع أن يكون بطلا شعبيا من أهلنا الذين نعود إليهم في وقت الشدة لنستمد روح الحياة

هذا الديوان القصصي الجديد في طرحه الذي يذكرنا بالليلة الكبيرة لصلاح جاهين بما فيها من عبقرية رسمت لنا شخصيات أهالينا الحقيقيين البسطاء في فترة زمنية معينة يردنا إلى سؤال طالما ألح على الضمير النقدي من آن لأخر في قضية "شعر العامية"  
ما الذي يدفع شاعرا مثقفا موهوبا مثل شاعرنا لأن يكتب بالعامية؟
الشعر الشعبي هو الممثل الحقيقي لنبض الشعب وأشجانه وآماله ما لم يقع فيما وقع فيه الشعر الفصيح من المداهنة والنفاق في معظمه ، وظلت أشعار التمرد والصدق نموذجا مستثنى يؤكد القاعدة ولا ينفيها.
    وفى ضوء ما تقدم يمكننا تناول ديوان "واحد  ! !" للشاعر

أولا : الموسيقى
 وضع نقاد الشعر العربي الموسيقى على رأس مقومات الشعر فشعرنا كله شعر الإيقاع والتنغيم والغناء قبل كل شئ .
ومن هنا نجح إلى حد كبير محمد الطنوبي في البحث عن الأوزان والقوافي الشعبية - وإن جانبه الصواب في بعضها - ولكن نحمد له تنويع الأوزان والقوافي ، وعدم الوقوع في فخ التكرار الممل في بحور بعينها ؛ لأن ذلك يؤدى إلى الرتابة الموسيقية،هو على كل حال ممن يتمتعون بحسٍ موسيقى عالٍ ساعده في إيجاد إيقاع يناسب كل شخصية على حدة ؛فنكاد نسمع موسيقى جنائزية مصاحبة لذلك البورتريه الرائع الذي رسمه لعامل المشرحة:
 على طرف المكان .. في مكان
أنا موجود
وليّا وجود
لكن بره الزمان .. بزمان
فتكرار حروف المد في الألف والواو الياء أكسب الأبيات شيئاً من الإيقاع الموسيقى الحزين.فعلى حين نشعر بهذا الهدوء أو السكون الموسيقى الذي يناسب جلال الموت وسكونه نشعر بسرعة الإيقاع وتدفق الموسيقى في قصيدته "عامل التحويلة:
أنا اللى شغلى محولجى
ومنسى
فى كشك تحويله
ومتدارى

ثانيا : الفكرة
 يستغرق بعض شعراء العامية في الفكرة لحدٍ يُنسينا الفارق بين الفلسفة المُغرَقة في الفكر والفن الذي هو وسيط الفلسفة إلى القلوب المرهفة . من هنا نجد تصنيفات لبعض الشعراء مثل الشاعر السياسي، والشاعر الاجتماعي، والشاعر الغنائي وما شابه ، ومع عدم اعتراضنا الكامل على هذا التصنيف فإنه يحبس الشاعر في إطارٍ معين يكاد يكون خانقاً لشاعريته ويؤطره فيما لا يُحَبّ ، وفيما يأخذ بقدر ما يعطى ؛ ولذا وجدنا شاعرنا  يتجاوز الإطار السياسي إلى الإطار الإنساني العام حتى لو كانت  الشخصية تستدعى ذلك ،وأعتقد أن هذا دور الشاعر الحقيقي أن يتجاوز ما هو عارض إلى ما هو باق من هموم الإنسان؛وهو ما نلمحه في بورتريه  عسكري أمن مركزي:
أنا المغلوب على أمري ..
منين ما بارُوح
ولو كان الكلام يسرى
على لساني
وأقدر أبوح
وأقول كل اللي فى النية
وما يبات شى الكلام مدبوح
حمام محبوس في بِنية

ثالثاً :الصورة
ومن أروع الصور التي رسمت للمهمشين صورته السردية للمراكبي هذا الرجل الذي كادت تنقرض حرفته وصارت صورته تحتاج إلى مرجعيه من الثقافة العامة ،ولعل هذه المرجعية الشعبية من أهم سمات الشعر العامي عامة وشعر الطنوبى خاصة وإذا كانت لا تخلو من تضفير البسيط بالمعقد والواضح الجلي بالغامض الفلسفي والمباشر المبذول بالرمزي المتفاوت فى مستويات فهمه بحسب ثقافة المتلقي

المراكبي

والضلوع مكشوفة ديماً
زيها ضلوع القوارب
قلت أغنى
رغم إني
زى طير البحر ..سارح

وهكذا تتفاوت أنماط البشر في الديوان ، ولكن يكاد الهم الإنساني العام يخرج بهذه الشخصيات من المفهوم الضيق لرسم شخصية بعينها على الهم العام ، مع ما نقره له من براعة في إحياء صور لشخصيات كادت تغيب عن المخيلة المعاصرة وبخاصة عند الشباب الذين لم يعاصروا هذه الشخصيات ،أو من ينتمون إلى بيئات مختلفة لا تعرفها معرفة الخبير المجرب ،وليس الرائي كمن سمع

  

رابعاً: اللغة
استخدم محمد الطنوبى  لغة شعبية سهلة قريبة من لغة الناس الذين يعبر عنهم ويرسم شخصياتهم ، فلا نجد عنده لغة واحدة يفرضها على كل الشخصيات فرضًا بل في كل شخصية نلمح مفردات جديدة مأخوذة من لغة الشخصية لا من لغة الشاعر التي يقسرها قسرا ،أو تأخذه جلال لغة بعينها أو مفردات بعينها   وللتمثيل نقارن بين لغة شخصيتين مختلفتين ولو بشكل عشوائي لنؤكد هذه الفرضية أو ننفيها؛فهذا مقطع من "عشماوي":
مغطي الصمت بالشارب
كثيف جداًَ
بقى لي زمان ..
 وبزيادة
ملامحي حادة يا سادة
لأني في شغلتي شارب ..
ملوحة قسوة التنفيذ
وهذا مقطع من"قصاص الحمير" كأن شاعرًا آخر كتبه للتفاوت الواضح بين صرامة المفردات وجدية اللغة التي تناسب شخصية عشماوي بما يبعث على الهيبة وتمثل الشخصية الحازمة من الخارج مع ما تعانيه على المستوى الإنساني من الداخل ،كل هذا في مقابل  المفردات الخفيفة التي تناسب لغة قصاص الحمير وإن لم يفته تصوير أعماقه الإنسانية وآلامه بما يناسبه ،عن هذا التوفيق يشير إلى إخلاص حقيقي للفن وفهم لقدرات اللغة العامية  في رسم أبعاد الشخصية داخليا وخارجيا  بشكل سينمائي تارة  أو مسرحي  أحيانًا  :
 وماشى الحال
وعال العال
باقص لكام حمار بجنيه
واجِز لكام خروف بريال

خامساً :القدرة على السرد الشائق
للطنوبى قدرة فائقة على السرد أسهمت بدورها  في رسم الشخصية  داخليًا وخارجيًا من خلال السرد الشعري مما أكسب قصائده- مع اللغة والفكره والتصوير والموسيقى - كثيرا من المتعة والتشويق ،وبخاصة عندما يضفر ما نعلمه من خلال مخزوننا القديم عن هذه الشخصيات الشعبية التي كادت تغيب عن الوجدان العام وتصبح في حكم الموروث الشعبي أو الحكايات الشعبية القديمة أو التراثية مع ما يتفرد به  الطنوبى من تفاصيل خاصة يلتقطها بعدسة شاعر مصري أصيل عاصر تلك الشخصيات فى الريف والمدينة، وعايشها كأنه واحد منهم . فتحية لهذا الشاعر الإنسان الذي أعادنا عبر هذه الصور إلى أهالينا الذين افتقدناهم في عتمة الطريق.
                                              

                                             دكتور/  محمد سيد على عبد العال
                                                        (محمد عمر)
                                      أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة جازان بالمملكة العربية السعودية
                                                                مدرس الأدب والنقد بكلية التربية بالعريش جامعة قناة السويس

                                                                     


د / محمد عمر


ناقد اكاديمي وباحث في الادب واستاذ جامعي


http://www.facebook.com/profile.php?id=100002171940570

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

من أنا

صورتي
كفر الزيات, محافظة الغربيه, Egypt
شاعر مصري